محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
158
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
أنَّ من قال : حدَّثني الثِّقة ، ولم يسَمِّه أنَّه لا يقبل ، لجواز أن يكون ذلِكَ الثِّقَةُ عنده مِمَّن لو صرَّح باسمه لخولِفَ في توثيقه ( 1 ) ؛ لأنَّه صح وثبت أنَّ التَّوثيق مِمَّا يقع فيه الاختلافُ الكثير ، والخصمُ مسلِّم أنَّ أئِمَّة الزَّيديَّة ، والحنفيّة ، والمالكية ، وكثير مِن التَّابعين يروون الأحاديث المرسلة ، ويقولون بوجوب قبولهم فيما أرسلوه ، ولا شَكَّ أنَّ المرسِلَ على تسليم أنَّه لا يُرسِلُ إلاَّ ما صحَّ عنده إنَّما يبني ( 2 ) صحَّة الحديث عنده على اجتهاده ، وأنه لم يبين طريقَهُ في اجتهاده في تصحيح ذلِكَ الحديث المرسل ، حتى يتمكّن المخالِفُ لَهُ مِنْ موافقته على بصيرة ، أو مخالفته كذلك ، فالاعتراض على مَنْ فعل ذلك مِنَ المُرْسِلِيْنَ ، أَو مَنْ قَبِلَه منهم أصعبُ وألزمُ للخصم مِنَ الاعتراضِ على من بيَّن مستَنَدَهُ لمَنْ يقبله ، ولمن لا يقبلُه ، وأبعد مِنَ الرِّيبة ومِنْ كُلِّ وسيلة إليها ، حَتَّى تركوا لذلك المراسيل ، والمقاطيع ، والتَّعاليق إلاَّ ما دلَّ الدَّليل على صِحَّته مِنْ ذلك ، بل أوضحُ من هذا أنَّهم بيَّنُوا في كتب الرِّجال جميعَ ما صَحَّ مِنْ مناقم الشِّيعة على أولئك ، وحكموا بصحَّة الصحيح منه ، فانظر ذلك في " النبلاء " وغيره ، وما غرَّك منْ أَوْضَح لك مستندَهُ ، وأبدى لك صفحتَه ، ولا ضرَّك مَنْ مكَّنك
--> ( 1 ) قال ابن الصلاح في " مقدمته " ص 120 : لا يجزئ التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدل ، فإذا قال : حدثني الثقة أو نحو ذلك مقتصراً عليه لم يكتف به فيما ذكره الخطيب الحافظ ، والصيرفي الفقيه وغيرهما خلافاً لمن اكتفي بذلك ، وذلك لأنَّه قد يكونُ ثقةً عنده وغيرُه قد اطَّلَعَ على جَرْحِهِ بما هو جارحٌ عنده ، أو بالإجماع ، فيحتاج إلى أن يسميَه حتى يعرف ، بل إضرابُهُ عن تسميته مريبٌ يوقعُ في القلوب فيه تَرَدُّداً . فإن كان القائلُ لذلك عالماً ، أجزأ ذلك في حقِّ مَن يوافقُهُ في مذهَبِهِ على ما اختارَهُ بعضُ المحققين . وذكر الخطيبُ الحافظُ أن العالم إذا قال : كل مَنْ رويتُ عنه ، فهو ثقةٌ وإن لم أُسمِّه ، ثم روَى عمَّن لم يسمِّه ، فإنه يكون مزكياً له غيرُ أنا لا نعمل بتزكيته هذه ، وهذا على ما قدَّمناه ، والله أعلم . وانظر " توضيحَ الأفكار " 2 / 167 - 172 . ( 2 ) في ( ب ) و ( ج ) : ينبني .